سليمان بن موسى الكلاعي

68

الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا

قال : فماذا تأمرانى أن أصنع إذا قدمت عليه ؟ قالا : تصنع عنده ما يصنع أهله ، تطوف به وتعظمه وتكرمه ، وتحلق رأسك عنده ، وتذلل له حتى تخرج من عنده . قال : فما يمنعكما أنتما من ذلك ؟ قالا : أما والله إنه لبيت أبينا إبراهيم ، وإنه لكما أخبرناك ، ولكن أهله حالوا بيننا وبينه بالأوثان التي نصبوها حوله ، وبالدماء التي يهريقون عنده ، وهم نجس أهل شرك ؛ أو كما قالا له . فعرف نصحهما وصدق حديثهما ، فقرب النفر من هذيل فقطع أيديهم وأرجلهم . ثم مضى حتى قدم مكة فطاف بالبيت ونحر عنده ، وحلق رأسه ، وأقام بمكة ستة أيام فيما يذكرون ينحر بها للناس ويطعم أهلها ويسقيهم العسل . ورأى في المنام أن يكسو البيت فكساه الخصف « 1 » ، ثم أرى أن يكسوه أحسن من ذلك ، فكساه المعافر ، ثم أرى أن يكسوه أحسن من ذلك ، فكساه الملاء والوصائل ، فكان تبع فيما يزعمون أول من كسا البيت . وأوصى به ولاته من جرهم ، وأمرهم بتطهيره ، وأن لا يقربوه دما ولا ميتة ولا مئلاة « 2 » وهى المحائض وجعل له بابا ومفتاحا . ثم خرج موجها إلى اليمن بمن معه من جنوده وبالحبرين ، حتى إذا دخل اليمن دعا قومه إلى الدخول فيما دخل فيه ، فأبوا عليه ، حتى يحاكموه إلى النار التي كانت باليمن . ويقال : إنه لما دنا من اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك ، وقالوا : لا تدخلها علينا وقد فارقت ديننا . فدعاهم إلى دينه وقال : إنه خير من دينكم . قالوا : فحاكمنا إلى النار ، قال : نعم . وكان باليمن فيما يزعم أهل اليمن ، نار تحكم بينهم فيما يختلفون فيه ، تأكل الظالم ولا تضر المظلوم . فخرج قومه بأوثانهم وما يتقربون به في دينهم ، وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما متقلديها ، حتى قعدوا للنار عند مخرجها الذي تخرج منه ، فخرجت النار عليهم ، فلما أقبلت نحوهم حادوا عنها وهابوها ، فذمرهم من حضرهم من الناس وأمروهم بالصبر لها . فصبروا حتى غشيتهم فأكلت الأوثان وما قربوا معها ، ومن حمل ذلك من

--> ( 1 ) الخصف : سفائف تسف من سعف النخل ، فيسوى منها شقائق تلبس بيوت الأعراب ، وقيل : هي ثياب غلاظ . انظر : اللسان ( مادة / خصف ) . ( 2 ) مئلاة : هي خرقة الحائض وهى أيضا خرقة النائحة .